بقلم خليل الشيخة
الساعة الآن(1) هي مجموعة قصصية مؤلفة من ثلاث عشرة قصة للقاص سامر أنور الشمالي. هي حائزة على جائزة نبيل طعمة للقصة القصيرة. يجمع بين أشخاص القصص عواطف متراكمة من الملل والفراغ والفشل في بناء علاقة حميمة سواءً مع الآخرين، أو مع واقعهم.
- استحالة الفكرة الرمزية في القصص:
وردت قصص في المجموعة تبين أن قوامها ارتكز على بنيان الأفكار التي كانت تمور داخل نفس الكاتب، وهذه الأفكار تكونت من وقائع ومن بشر لهم لحم ودم. نذكر أن فرانز كافكا عبّر عن هذا النمط من الكتابة بأنه قال مرة: الكتابة عبارة عن طرد الأشياء من داخلنا وهي نوع من تغميض العينين.

إذا كانت عملية الطرد هذه تنبعث من الداخل وهي ذاتية، فلاشك أنها ترمي أحيانا إلى القفز فوق المنطق لتجسيد فكرة وغاية موضوعية . أما تغميض العينين هنا تكون بمثابة سلخ جزئي لمكونات الواقع الوضعي . في أول قصة من المجموعة بعنوان “الساعة الآن” يبدأ الكاتب بوصف الساعة في ساحة المدينة حيث تتتّالى جمل ضمن الوصف تخدم أغراض الفكرة المستحيلة وتعطيها لبوسها. الشخصية هنا، تُقدم مسطّحة وغير مهمة بالنسبة للحدث والفكرة التي يعمل عليها النص. تبدأ القصة “كان واقفاً وسط ساحة دائرية ..رسومات تختصر تاريخ المدينة .. ساعة تمثل عهداً من عصور المدينة .. فوجد العقارب كلها ثابتة .. تشير إلى الثانية عشر ظهراً (ص-7)”. هذه المقدمة تختزل القصة كلها وتضغط فكرتها في قالب يتكرر فيما بعد في المتن ولازمة تؤكد ثبات الزمن وثبات الساعة على عقارب الثانية عشر. هنا الزمن ذاتي طبعاً ، إذ أنه يتوقف بوقوف الساعات وليس له علاقة بالزمن الحقيقي- أي الكوني . من خلال هذا يتكثف اليأس عند الشخص الذي يواجه توقف الزمن وهذا التوقف يخدم كل ما هناك من تلميحات وإيحاءات لغوية في مقدمة القصة . هذه الاستحالة تولّد وتستحضر واقعاً آخر هو نوع من الارتكاس البشري . من ناحية أخرى، هناك قصة مشابهة ” عندما تتوقف القلوب ” تبدأ بمقدمة قريبة للأولى بالكلام عن شخصية مسطحة أيضاً، مجهولة غير ذات أهمية بالنسبة لمغازي النص : ” منتظرا ً دوره في ردهة كبيرة ” ثم تتبعه تقديم الفكرة الاستحالية مشيرة إلى أن الرجل لا يمتلك أي نبض في قلبه وهو ميت طبياً. والمأساة لا تتوقف بركود القلب بل تكون البداية عندما ينتقل البطل عبر الدوائر الرسمية ليشطب أسمه من السجلات الحكومية، ثم يقاد إلى المقبرة لكونه ميتاً، وهناك يرى طابوراً طويلاً من الناس كلهم مثله منساقون إلى قبورهم أي نصفهم أحياء والنصف الآخر ميت . ( ص – 32( . في هذا السياق، نرى أن السرد ينغمس حتى أعماقه في تدوير الفكرة على حوافي النص القصصي بكل ما يحمله من رمزية، خاصةً عندما يشير الدكتور إلى أن ” القلب عبارة عن عضو لضبط عملية توزيع الدم في الجسم ولا علاقة له بالمشاعر “. يعكس هذا مفارقة في المفاهيم الاجتماعية التي دأب الناس على الاعتقاد فيها، وهي أن القلب هو المسيّر والحاوي للوجدان البشري، وهذا يرهننا باستنتاجات يحاول النص بحصافته أن يحمل إلينا هذه المشاعر الوجدانية، أو قل استنكاراً لتلك العواطف التي توقفت عند عدد هائل من الناس .
القصة الأخرى هي ” غرام التمثال النصفي .” تشترك هذه القصة بذات البدايات. إذ أنها تتحدث عن البطل الذي يكون هنا: التمثال !” كان التمثال النصفي يقضي نهاره في الحديقة وهو يتأمل الجالسين بهدوء”. هذه المقدمة تختصر القصة كلها وتبلور فكرتها الاستحالية عن طريق طرحها دون مقدمات أو استفاضات، فهي شبيهة إلى حد ما بمقدمة ” الانمساخ ” لفرانز كافكا . إذ أنه يختزل في مقدمة قصته التحول اللامنطقي في شخص غريغور إذ يقول ” استيقظ غريغور سامسا ذات صباح من أحلام مزعجة فوجد نفسه قد تحول في سريره إلى حشرة ضخمة .
يمضي الشمالي في القصة ليخبرنا بأن ” التماثيل لا تشعر بالغيرة عادة ولا تشيخ” وهي معلومة كلنا نعرفها ، لكن الذي لا نعرفه ولا نستسيغه هو انكسار التمثال وتهشمه من قسوة الحب ( ص – 69 ) . نحن ربما لا نتفاجأ بهذه الخاتمة التي أثمر النص عنها في النهاية لأننا أدركنا، وبكل عفوية، منذ الجملة الأولى أن التماثيل قد تتأمل مثلنا وتراقب وتملك أحاسيساً بشرية .
- اللـغة والشخـوص :
تهيمن لغة السرد في القصص على خدمة الخيال المتوهم في واقع مبثوث بين طيات النص.
إذ تنساق إلى تكوير أو تقعير الفكرة وإسقاطها على مسارات السرد المتداخلة. تتسع لغة الوصف أيضاً في التعبير عن العواطف والأحاسيس، فتصور لنا صورة حيّة مغلفة بجمالية شعرية بالغة، كما في قصة ” عارية بين الكتب “: فتذكر على الرغم منه الدماء التي تنـز بوهن من جراح تنفتح كأبواب لأقفاص تتصالب على الروح الأسيرة. (ص-41). أو في قصة “قبل الرحيل الوشيك” : صَمَتَ ..لأنه وجد أن الظلام لن يغير شيئاً في واقع له طبيعة الصخور التي لا تتفجر عبرها الماء . أو قصة “فقدان في متاهات الضياع: صوتها المبحوح كناي في صحراء مقفرة نبهه من غفوته الواهنة كورقة صفراء تهوي عن غصنها الأخضر (ص-75)”.
تشترك اللغة الوصفية في هذه القصص بتحميل نصوص السرد شحنات عاطفية تدهش القارئ عبر السطور. يقدم الكاتب شخوصه بطريقة تقترب إلى التسطيح إذ أنه لا يهتم بالأسماء أو توصيف البطل كما جرى العادة في القصة الكلاسيكية. الأشخاص هنا، وسيلة ثانوية في تجسيد فكرة أقوى منهم في النص، وتتحول سلوكيات الشخصيات إلى شوارد في المتن، وبالتالي من الصعب الإحاطة بتكوينهم ومعرفة جذورهم كلياً.
خاتمة:
قال إريك فروم المحلل النفسي الأمريكي مَرة : “التحير أول بدايات الحكمة”. تميزت معظم المجموعة أنها طرحت أحداثا محيرة قد لا تتفق مع المنطق أو الواقع المعاش وتعاكس سنٌة تسير عليها الأشياء. تلجأ إلى عنصر الإدهاش و المفاجأة، فربما تولانا هذا الإدهاش حين قرأنا قصة “وقائع الفطور الأخير” في مفارقة من فعل وردود الفعل، إذ فاجأ الزوج امرأته عند المائدة بقرار تطليقها ووقع ذلك على أذنها كالصاعقة، فكان رد فعلها أكثر مفاجأة لنا حين طعنته بالسكين، ورغم سرعة الزوجة في قرار القتل، يقدم القاص مفارقة تصل إلى حد الكريكتورية إذ أن الزوجة قالت مرة لزوجها ” لا أرغب برؤية الدماء في منزلنا الوديع (ص-106). أما في قصة “دفتر أحلامي” فإننا نواجه نهاية غير متوقعة عندما قال البطل في الجملة الختامية ” عندئذ فتحت المغلف فرأيت بداخله دفتر أحلامي (ص-89).
سارت القصص على نهج واحد من طرح مشاكل اجتماعية وفكرية من خلال سرد متمكن وحوار مقتصد يطل بقامته عند اللزوم ويضيف للقصة لبنة أخرى تخدم النهايات والخواتم. أخيراً، نرى أن القاص قد أبدع في قصصه ورسم أسلوبه المميز في حرفية بالغة ونجح في رسم أفكاره الحصيفة من خلال سرد جميل ولغة راقية.
خليل الشيخة
————————–
1. الساعة الآن- سامر أنور الشمالي – إتحاد الكتاب العرب – 2008
نشرت في صحيفة العروبة – تموز – 2010
Filed under: نقد في القصة والرواية
